الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

268

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حصل من دعوته بكشف العذاب وليحسبوا أن ارتفاع العذاب أمر اتفاقي إذ قومه لم يطلعوا على ما دار بينه وبين موسى من سؤال كشف العذاب . والنداء : رفع الصوت ، وإسناده إلى فرعون مجاز عقلي ، لأنه الذي أمر بالنداء في قومه . وكان يتولى النداء بالأمور المهمة الصادرة عن الملوك والأمراء منادون يعيّنون لذلك وربما نادوا في الأمور التي يراد علم الناس بها . ومن ذلك ما حكي في قوله تعالى في سورة يوسف [ 70 ] ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ وقوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ [ الشعراء : 53 - 55 ] . ووقع في المقامة الثلاثين للحريري : « فلما جلس كأنه ابن ماء السماء ، نادى مناد من قبل الأحماء ، وحرمة ساسان أستاذ الأستاذين ، وقدوة الشحّاذين ، لا عقد هذا العقد المبجّل ، في هذا اليوم الأغرّ المحجّل ، إلا الذي جال وجاب ، وشبّ في الكدية وشاب » . فذلك نداء لإعلان العقد . وجملة قالَ إلخ مبيّنة لجملة نادى ، والمجاز العقلي في قالَ مثل الذي في وَنادى فِرْعَوْنُ . وفرعون المحكي عنه في هذه القصة هو منفطاح الثاني . فالأنهار : فروع النيل وترعه ، لأنها لعظمها جعل كل واحد منها مثل نهر فجمعت على أنهار وإنما هي لنهر واحد هو النيل . فإن كان مقر ملك فرعون هذا في مدينة منفيس فاسم الإشارة في قوله : وَهذِهِ الْأَنْهارُ إشارة إلى تفاريع النيل التي تبتدئ قرب القاهرة فيتفرع النيل بها إلى فرعين عظيمين فرع دمياط وفرع رشيد ، وتعرف بالدّلتا . وأحسب أنه الذي كان يدعى فرع تنيس لأن تنيس كانت في تلك الجهة وغمرها البحر ، وله تفاريع أخرى صغيرة يسمى كل واحد منها ترعة ، مثل ترعة الإسماعيلية ، وهنالك تفاريع أخرى تدعى الرياح . وإن كان مقر ملكه طيبة التي هي بقرب مدينة آبو اليوم فالإشارة إلى جداول النيل وفروعه المشهورة بين أهل المدينة كأنها مشاهدة لعيونهم . ومعنى قوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يحتمل أن يكون ادّعى أنّ النيل يجري بأمره ، فيكون مِنْ تَحْتِي كناية عن التسخير كقوله تعالى : كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ [ التحريم : 10 ] أي كانتا في عصمتهما . ويقول النّاس : دخلت البلدة الفلانية تحت الملك فلان ، ويحتمل أنه أراد أن النيل يجري في مملكته من بلاد أصوان إلى البحر